أحمد بن علي القلقشندي
344
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
القريحة الفاضلة ، والغريزة الكاملة ، التي هي مبدأ الكمال ، ومنشأ التمام ، والأساس الذي يبنى عليه ، والركن الذي يستند إليه ، فإن المرء قد يجتهد في تحصيل الآداب ، ويتوفّر على اقتناء العلوم واكتسابها ، وهو مع ذلك غير مطبوع على تأليف الكلام فلا يفيده ما اكتسبه ، بخلاف المطبوع على ذلك ، فإنه وإن قصّر في اقتباس العلوم واكتساب الموادّ فقد يلحق بأوساط أهل الصناعة ؛ وذلك أن الطبع يخص اللَّه تعالى به المطبوع دون المتطبّع ، والمناسب بغزيرته للصناعة دون المتصنّع ، ولا سبيل إلى اكتساب سهولة الطبع ولا كزازته ( 1 ) ، بل هو موهبة تخصّ ولا تعمّ ، وتوجد في الواحد وتفقد في الآخر . قال ابن أبي الأصبع في « تحرير التحبير » ( 2 ) : ومن الناس من يكون في البديهة أبدع منه في الرّوية ، ومن هو مجيد في الرّوية وليست له بديهة ، وقلَّما يتساويان . ومنهم من إذا خاطب أبدع ، وإذا كاتب قصّر ، ومن هو بضدّ ذلك ، ومن قوي نثره ضعف نظمه ، ومن قوي نظمه ضعف نثره ، وقلما يتساويان . وقد يبرّز الشاعر في معنى من مقاصد الشعر دون غيره من المقاصد ، ولهذا قيل : أشعر الناس امرؤ القيس إذا ركب ، وزهير إذا رغب ، والنابغة إذا رهب ، وعنترة إذا كلب ( 3 ) ، والأعشى إذا طرب . قال في « المثل السائر » : بل ربما نفذ في بعض أنواع الشعر دون بعض ، فيرى مجيدا في المدح دون الهجو أو بالعكس ، أو ماهرا في المقامات ونحوها دون الرسائل ، أو في بعض الرسائل دون بعض . قال ابن أبي الأصبع : ولربما واتاه العمل في وقت دون وقت ؛ ولذلك قال الفرزدق : إني ليمرّ عليّ الوقت ولقلع ضرس من أضراسي أيسر عليّ من قول الشعر ، ولذلك عزّ تأليف الكلام ونظمه على كثير من العلماء باللغة ، والمهرة في معرفة حقائق الألفاظ ، من حيث نبوّ طباعهم عن تركيب بسائط الكلام الذي قامت صور معانيه في نفوسهم ،
--> ( 1 ) الكزازة والكزاز : اليبس والانقباض ( لسان 5 / 400 ) . ( 2 ) أنظر حاشية الصفحة 211 من هذا الجزء . ( 3 ) أي غضب .